الجاحظ
113
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
في قلوب المريدين ، بالألفاظ المستحسنة في الآذان ، المقبولة عند الأذهان ، رغبة في سرعة استجابتهم ، ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة ، على الكتاب والسنة ، كنت قد أوتيت فصل الخطاب واستوجبت على اللّه جزيل الثواب . قلت لعبد الكريم من هذا الذي صبر له عمرو هذا الصبر ؟ قال : قد سألت عن ذلك أبا حفص فقال : ومن كان يجترئ عليه هذه الجرأة إلا حفص بن سالم . قال عمر الشمري : كان عمرو بن عبيد لا يكاد يتكلم ، فإذا تكلم لم يكد يطيل . وكان يقول : لا خير في المتكلم إذا كان كلامه لمن شهده دون نفسه . وإذا طال الكلام عرضت للمتكلم أسباب التكلف ، ولا خير في شيء يأتيك به التكلف . وقال بعضهم - وهو من أحسن ما اجتبيناه ودوّناه - لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ، ولفظه معناه ، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك . وكان مويس بن عمران « 1 » يقول : لم أر أنطق من أيوب بن جعفر ، ويحيى بن خالد . وكان ثمامة يقول : لم أر أنطق من جعفر بن يحيى بن خالد . وكان سهل بن هارون يقول : لم أر أنطق من المأمون أمير المؤمنين . وقال ثمامة : سمعت جعفر بن يحيى يقول لكتّابه : « إن استطعتم أن يكون كلامكم كله مثل التوقيع فافعلوا » . وسمعت أبا العتاهية يقول : « لو شئت أن يكون حديثي كله شعرا موزونا لكان » .
--> ( 1 ) مويس بن عمران متكلم معتزلي مرجئ ، عده ابن المرتضى في الطبقة السابعة من المعتزلة ، جعل من بيته ناديا للجدل الكلامي ، وكان الجاحظ يرتاده ، ويعجب في كرمه ، وسعة صدره . توفي سنة 241 ه .